جريدة اخبارية شاملة
رئيس التحرير طارق شلتوت

بعد دافوس 2026.. طارق الحوسني يحذّر من «الحتمية التقنية» وهيمنة الذكاء الاصطناعي

مع اختتام جلسات الذكاء الاصطناعي في المنتدى الاقتصادي العالمي – دافوس 2026، غادر قادة التكنولوجيا جبال سويسرا وسط زخَم إعلامي كثيف وعناوين مستقبلية براقة، لكن دون إجابة واضحة عن السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحمي الإنسان في سباق الذكاء الاصطناعي؟
ورغم الإجماع على أن الذكاء الاصطناعي بات أحد أعمدة التحول الاقتصادي العالمي، كشفت نقاشات دافوس عن فجوة مقلقة بين تسارع الابتكار وغياب الأطر الأخلاقية والإنسانية الناظمة له، في مشهد بدا فيه أن المستقبل يُصاغ تقنيًا قبل أن يُناقش إنسانيًا.
إيلون ماسك و«الحتمية التقنية»
عاد إيلون ماسك إلى صدارة المشهد، ليس فقط بتأكيده أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على ذكاء البشر مجتمعين خلال عقد واحد، بل بطرحه الفضاء كحل سيادي لأزمات الأرض، عبر نقل مراكز البيانات العملاقة إلى المدار الأرضي، اعتمادًا على الطاقة الشمسية غير المحدودة والتبريد الطبيعي.
غير أن هذا الطرح، وفق مراقبين، يتجاوز كونه ابتكارًا تقنيًا جريئًا، ليطرح سؤالًا سياديًا بالغ الحساسية حول مستقبل السيطرة على البيانات والقرار الرقمي العالمي.
طارق الحوسني: تسويق المستقبل كأمر حتمي
تعليقًا على هذه الرؤى، يرى طارق الحوسني، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي وكبير مهندسي الرؤية فيها، أن ما يطرحه ماسك لا يُقدَّم بوصفه تنبؤًا محايدًا بالمستقبل، بل كعملية تهيئة ذهنية جماعية لتقبّل ما يسميه بـ«الحتمية التقنية»، دون نقاش كافٍ لتبعاتها الاجتماعية والإنسانية.
ويشير الحوسني إلى أن الحديث المتكرر عن تفوق الذكاء الاصطناعي لا يفتح باب الاحتمال، بل يُغلق باب المساءلة، وكأن المجتمعات مدعوة للتسليم بما هو قادم بدل مناقشته أو إعادة تشكيله.
البيانات في الفضاء.. أزمة سيادة رقمية
وحول فكرة نقل البيانات إلى الفضاء، يحذّر الحوسني من أنها قد تعني عمليًا إخراج الوجود الرقمي البشري من نطاق الرقابة القانونية والسيادية للدول، وتحويل الحل التقني إلى تحوّل سياسي غير مُعلن.
فحين تصبح مفاتيح البيانات خارج الجغرافيا، تصبح أيضًا خارج منظومة المحاسبة التقليدية، ويُعاد تعريف مفهوم السيادة المعلوماتية من الأساس، في ظل غياب إطار دولي ناظم لهذه التحولات.
الروبوتات البشرية وإعادة تعريف الإنسان
ولا يتوقف القلق عند حدود الحوسبة، إذ يرى الحوسني أن دخول الروبوتات الشبيهة بالبشر، وعلى رأسها «أوبتيموس»، إلى الأسواق، لا يعني فقط رفع الإنتاجية كما يُروَّج، بل إعادة تعريف الهوية البشرية ذاتها.
فعندما تنتقل التقنية من عقل رقمي خلف الشاشات إلى كيان مادي يتحرك بين البشر، لا يصبح الحديث عن وظائف مفقودة فقط، بل عن تفكيك العقد الاجتماعي الذي حكم العلاقة بين الإنسان والعمل لعقود طويلة.
وهنا يبرز سؤال لم تُجب عنه جلسات دافوس:
من هو المنتج؟ ومن هو المستهلك؟ وأين يقف الإنسان في هذه الدورة الاقتصادية الجديدة؟
بين المعنى والكفاءة.. الصراع الحقيقي
في المحصلة، يرى طارق الحوسني أن الصراع الحقيقي لا يدور بين شركات أو تقنيات، بل بين مفهومين متناقضين: المعنى والكفاءة.
فالتقنية قد تجعل العالم أكثر كفاءة، لكنها لا تضمن أن يكون أكثر عدالة أو إنسانية.
ويؤكد أن المشكلة ليست في الكود البرمجي وحده، بل في غياب الكود الأخلاقي القادر على توجيه هذه القوة المتسارعة وضبط آثارها على الإنسان والمجتمع.
سؤال المستقبل المفتوح
ومع تسارع إعادة هندسة المستقبل بالكود والخوارزميات، يظل السؤال مفتوحًا:
إذا كانت التقنية قادرة على إعادة تعريف العمل، والسيادة، وحتى الوعي…
فهل ما زال الإنسان هو الغاية، أم أصبح مجرد متغيّر داخل معادلة لا يملك حق كتابتها؟

التعليقات مغلقة.