جريدة اخبارية شاملة
رئيس التحرير طارق شلتوت

من أوقف عدن عن أن تصبح سنغافورة العرب؟ القصة الكاملة للحلم الذي دُفن مبكرًا

جذور الرؤية وبدايات المشروع

من يريد أن يفهم ويعرف حقيقة رؤية الشيخ الدكتور محمد بن عيسى الجابر لليمن، عليه أن يعود إلى بداية التسعينات، إلى عدن تحديدًا، حيث وُلدت الفكرة الأولى لإنشاء المنطقة الحرة في عدن، قبل كل السرديات المتأخرة التي شوّهت الوقائع وحرّفت السياق.

- Advertisement -

في تلك المرحلة، تمكّن الشيخ محمد بن عيسى الجابر من إقناع السيد عبدالقادر باجمال بأن مشروع المنطقة الحرة في عدن هو أكبر كنز استراتيجي لليمن، وليس مجرد استثمار عابر.

 

باريس 1992.. نقطة التحول

وفي التفاصيل، وصل باجمال إلى باريس في فبراير ١٩٩٢، وأمضى هناك ثلاثة أشهر في محاولة لإقناع الشيخ محمد بشراء منشآت ومعدات شركة شل في اليمن أيضًا إضافة إلى شركة أخرى وسيقوم بإدارتها، وكانوا قد قرروا الانسحاب من اليمن بعد الوحدة. وبحكم أن باجمال كان وزيرًا للنفط والمعادن في اليمن الجنوبي قبل أحداث عام 1986، رأى أن هذا الاستثمار ضروري وذو عوائد عالية بعد قرار الشركات النفطية الكبرى مغادرة البلاد.

وخلال تلك الأشهر، تمكّن الشيخ محمد من إقناع باجمال بأن عدن يجب أن تستعيد مكانتها التاريخية، وأن تعود نقطة ارتكاز عالمية بين الشرق والغرب، أي بين سنغافورة (مرآة آسيا) وروتردام (أهم موانئ أوروبا آنذاك).

عدن كمركز عالمي للتجارة

في ذلك الوقت، لم تكن المنطقة بأكملها، ولا الخليج، تضم محطة حاويات تُدار بتقنية وخبرة دولية ومتصلة بمنطقة صناعة حرة لإعادة التصدير ذات مساحة استراتيجية كبيرة لا تقل عن 10 كيلومترات مربعة.

قامت رؤية المشروع على خمس مراحل متكاملة، صُممت لتعيد عدن إلى موقعها التاريخي كمركز عالمي للتجارة والتصدير والخدمات اللوجستية:

المرحلة الأولى: ميناء حاويات عالمي

إنشاء ميناء حاويات يُدار من قبل موانئ سنغافورة، ليس فقط لما تملكه من تقنية متقدمة، بل لما تملك من شبكة خطوط ملاحية عالمية وسمعة دولية رفيعة. وجود هذه الإدارة كان يعني أن ميناء عدن لن يحتاج إلى البحث عن زبائن، إذ إن الخطوط الملاحية الكبرى المرتبطة بموانئ سنغافورة تغطي جميع قارات العالم، ما يضمن تشغيل الميناء بكفاءة عالية منذ اليوم الأول.

المرحلة الثانية: منطقة صناعية متكاملة

إقامة منطقة صناعية متكاملة تضم صناعات خفيفة وثقيلة، تهدف إلى خلق قيمة مضافة حقيقية، وتوفير فرص عمل، وربط الميناء بالتصنيع لا العبور فقط.

المرحلة الثالثة: الصناعات التجميعية وإعادة التصدير

إنشاء منطقة صناعات تجميعية (Reassembling) وإعادة تصدير، تشمل قطاعات مثل السيارات والمعدات والآليات والأدوات الإلكترونية، بحيث تتحول عدن إلى منصة إقليمية لإعادة التصدير نحو أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا. وقد تم التواصل أثناء الدراسات مع أكبر الشركات المنتجة لهذه الصناعة، وتم الاتفاق معها من حيث المبدأ.

المرحلتان الرابعة والخامسة

تشكلان استكمالًا استراتيجيًا للرؤية الشاملة للمشروع، لكن لا مجال للخوض في تفاصيلهما في هذا السياق.

الأثر الاقتصادي المتوقع

أكدت الدراسات أن تنفيذ المراحل الخمس سيؤدي إلى خلق أكثر من مليون فرصة عمل، ويوفّر لخزينة الدولة دخلاً من الرسوم يتجاوز 10 مليارات دولار، إضافةً إلى قيمة مضافة لمدينة عدن تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات.

الموافقات الرسمية وبداية التنفيذ

وبعد شهرين على عودة باجمال إلى اليمن، حصلت الموافقة الرسمية من الرئيس علي عبدالله صالح ومن الحكومة اليمنية، وقد تكفّل الشيخ محمد من خلال شركته MBI على تعميد كبريات شركات المحاماة والدراسات للقيام بعمل قانون للمنطقة الحرة ومخططات ودراسات تسبق مراحل الإنشاء، وقد كلفت ملايين الدولارات كانت تبرعًا منه لإتمام هذا الحلم.

وبدأت شركات المحاماة بإعداد البنود القانونية وصولًا إلى إصدار قانون المناطق الحرة، وبدأت شركات الدراسات بإعداد المخططات العامة التفصيلية للمشروع، والذي أوكل تنفيذه إلى شركات أمريكية كان قد نصح بها الشيخ محمد الجابر.

الاتفاقيات والتعثر ثم الاستئناف

فيما بعد، وُقّعت الاتفاقية بين MBI وهيئة موانئ سنغافورة (Singapore Ports Authority)، وأودِعت نسخة من الاتفاقية مع الدراسات الكاملة لدى الحكومة البريطانية والحكومة اليمنية. وبدأ العمل فعليًا، مع بعض التوقف الذي حصل عام 1994 نتيجة الأحداث المعروفة، ثم استُؤنف المشروع بعد انتهاء حرب 1994 المشؤومة.

طلب الشراكة والتنازل الكامل

ومع بدايات عام 1995، طُلب من الشيخ محمد بن عيسى عبر اتصال هاتفي من رئيس الوزراء عبد العزيز عيد الغني وبجانبه الرئيس علي عبدالله صالح، وكان باجمال وزير التخطيط في تلك المرحلة موجودًا — طلب إدخال شركة يمنكو كشريك في المشروع، وكانت هذه الشركة مملوكة لرجل الأعمال خالد بن محفوظ.

وخوفًا على المشروع من التعثر أو الإجهاض، وافق الشيخ محمد، وعوضًا عن قبوله بيمنكو شريكًا، قام بالتنازل الكامل عن المشروع، لا عن جزء منه، وبدون مقابل، مع شرط واحد فقط. وللشهادة والتاريخ تم الإشهار صراحة في أكبر صحيفتين آنذاك، الشرق الأوسط والحياة، في صفحتين كاملتين في كل جريدة لإثبات التنازل دون مقابل وكهدية للشعب اليمني.

محاولة التراجع والصدمة الكبرى

شهادة التاريخ أن ردة فعل وزير التخطيط باجمال وقتها كانت سفرًا عاجلًا إلى لندن، حيث التقى الشيخ محمد بن عيسى الجابر في محاولة لإقناعه بالعدول عن قراره.

لكن الصدمة الكبرى جاءت بعد عشر سنوات، حين تم شراء المشروع من المستثمر والمشغّل السنغافوري لصالح الحكومة اليمنية، ومن ثم تسليمه إلى شركة يملكها رجل أعمال لا علاقة له بهذه الصناعة، وهو عبدالله بقشان وشركاه، وهي واجهة لموانئ دبي التي لم تكن في عام ١٩٩٢ تشكل ٥٪ من حجمها الحالي.

أسئلة بلا إجابة

والسؤال المحيّر الذي لا يزال مطروحًا حتى اليوم: كيف، وفي وقت كان العالم كله ولا يزال يبحث عن مستثمر أجنبي ذي خبرة حقيقية، انتهى المشروع بهذه الطريقة؟ وهذا ليس إلا غيضًا من فيض مما قدّمه هذا الرجل لليمن، وعانى بسببه، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي أو البحث عن نفوذ.

سقطرى.. الموقف الحاسم

والأكثر دلالة على طبيعة رؤيته أن الرئيس علي عبدالله صالح عرض عليه لاحقًا تعويضًا عن عدم استكمال رؤيته بخصوص مشروع المنطقة الحرة، منحه جزيرة سقطرى كاستثمار لمدة 99 عامًا، فجاء رد الشيخ محمد الجابر حاسمًا وواضحًا: «لا يمكن أن أتملّك شيئًا هو ملك للشعب».

رؤية دولة لا صفقة

رغم كل الفرص، ورغم كل الإغراءات، اختار الجابر أن يكون داعمًا لليمن لا شريكًا في مشاريع الفساد، وأن يقدّم الإعانات والدعم الإنساني والتنموي بدل أن يدخل في منظومات تقاسم النفوذ والمغانم.

وهذه هي الرؤية التي يجب أن تُقرأ اليوم: رؤية دولة، لا صفقة. مشروع وطن، لا استثمار شخصي. والتاريخ يشهد أن الفرص لم تُهدر بسبب غياب المستثمرين، بل بسبب غياب الإرادة السياسية.

الإنسان هو الثروة الحقيقية

كان الشيخ محمد بن عيسى الجابر يؤكد دائمًا أن الثروة الحقيقية التي يملكها اليمن لا تكمن في موارده المادية، بل في إنسانه؛ في طاقته البشرية المنتِجة، التي اعتبرها أعظم وأكبر ثروات البلاد على الإطلاق.

هذا كان واقع الحال في اليمن، كما في معظم العالم العربي، حيث تكرّرت هذه التجارب مع الشيخ الجابر، من دون مجال للخوض في تفاصيلها هنا.

 

التعليقات مغلقة.