لم تعد المنافسة على مدخرات المصريين مقتصرة على البنوك وحدها، بل أصبحت الحكومة نفسها طرفًا رئيسيًا في سباق جذب السيولة عبر أدوات الدين الموجهة للأفراد. وفي ظل الارتفاع الأخير لعوائد شهادات الادخار بالبنوك، وجدت وزارة المالية نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في تسعير الإصدار الجديد من “سندات المواطن”، لضمان الحفاظ على جاذبيته دون تحميل الموازنة العامة تكلفة اقتراض أعلى.
إعادة تسعير الإصدار الثالث
تعكف وزارة المالية حاليًا على إعادة تسعير الإصدار الثالث من “سندات المواطن”، بعد تأجيل الطرح الذي كان مقررًا الشهر الماضي، انتظارًا لاستقرار سوق الأوعية الادخارية عقب موجة رفع العوائد التي شهدها القطاع المصرفي خلال الأسابيع الأخيرة.
ونقلًا عن مصدر حكومي بارز، فإن الوزارة تترقب انتهاء البنوك من إعادة تسعير منتجاتها الادخارية واستقرار مستويات العائد، قبل تحديد موعد الإصدار الجديد، بما يضمن طرح سندات بعائد تنافسي قادر على جذب المستثمرين الأفراد، مع توقعات بإطلاقها خلال الربع الحالي من العام المالي الجديد.
البنوك ترفع العائد وتزيد المنافسة
جاء قرار التأجيل بعد دخول البنوك في موجة جديدة من المنافسة على السيولة، حيث رفع البنكان الحكوميان، البنك الأهلي المصري وبنك مصر، العائد على الشهادات الثابتة لأجل ثلاث سنوات إلى 17.75% للعائد الشهري و17.85% للعائد ربع السنوي، إلى جانب طرح شهادة بعائد متغير يبلغ حاليًا 19.25%.
كما انضمت بنوك القطاع الخاص إلى سباق جذب المدخرات، إذ يقدم البنك التجاري الدولي (CIB) شهادة ادخار بعائد متغير يصل إلى 19.5% يصرف شهريًا، فيما رفع بنك HSBC مصر العائد على شهادة الادخار لأجل ثلاث سنوات إلى 17.25%، وهو ما زاد من حدة المنافسة على أموال الأفراد.
هدف «سندات المواطن»
يستهدف برنامج “سندات المواطن” توسيع قاعدة مشاركة المواطنين في الاستثمار بأدوات الدين الحكومية، بعدما نجح الإصداران الأول والثاني في جمع نحو 7.7 مليار جنيه، بواقع 5.7 مليار جنيه للإصدار الأول وملياري جنيه للإصدار الثاني.
كما تدرس وزارة المالية توسيع قنوات الاكتتاب مستقبلًا من خلال شركات التكنولوجيا المالية ومكاتب البريد، بما يسهم في الوصول إلى شرائح أكبر من المستثمرين الأفراد.
معادلة صعبة أمام وزارة المالية
وتواجه الوزارة معادلة دقيقة عند تحديد العائد على الإصدار الجديد؛ فإذا جاء أقل من عوائد شهادات البنوك، فقد يفضل الأفراد الإبقاء على مدخراتهم داخل الجهاز المصرفي، أما إذا تم رفع العائد بصورة كبيرة، فسوف ترتفع تكلفة الاقتراض المحلي على الدولة، خاصة في ظل خطة اقتراض تستهدف نحو 3.4 تريليون جنيه خلال العام المالي الجديد.
البنوك شريك ومنافس في الوقت نفسه
وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر في ظل امتلاك البنوك المصرية محافظ ضخمة من أدوات الدين الحكومية، إذ تمثل السندات الحكومية نحو 34% من إجمالي أصول الجهاز المصرفي، وهو ما يجعل المنافسة بين شهادات الادخار وسندات المواطن أكثر حساسية، باعتبار أن كليهما يستهدف الشريحة نفسها من المدخرين.
ماذا يعني التأجيل؟
ويرى مراقبون أن قرار التأجيل لا يعكس تراجعًا عن البرنامج، وإنما يعبر عن رغبة وزارة المالية في اختيار التوقيت والتسعير المناسبين، بما يحقق التوازن بين جذب مدخرات الأفراد، والحفاظ على كفاءة إدارة الدين العام، وتقليل تكلفة التمويل على الموازنة، مع استمرار تنفيذ استراتيجية الدولة لتنويع أدوات التمويل وتعزيز مشاركة المواطنين في الاستثمار بأدوات الدين الحكومية.


