اتش سي تتوقع أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير
توقعات تثبيت الفائدة في مصر تتعزز: ضغوط جيوسياسية مقابل تحسن الاحتياطي وتدفقات الدولار تدعم استقرار السياسة النقديةتدخل السياسة النقدية في مصر اجتماعها المرتقب يوم 9 يوليو 2026 وسط مشهد اقتصادي يتسم بتوازن دقيق بين ضغوط خارجية متصاعدة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتحسن ملحوظ في مؤشرات القطاع الخارجي، خاصة احتياطي النقد الأجنبي وتدفقات رؤوس الأموال. هذا التوازن المعقد يعزز، وفق تقديرات مؤسسات بحثية، من احتمالات إبقاء البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة تعكس رغبة في الحفاظ على استقرار الأسواق ودعم جاذبية أدوات الدين المحلية.
توقعات بحثية: تثبيت الفائدة في اجتماع يوليو
تتوقع إدارة البحوث المالية بشركة «اتش سي» للأوراق المالية والاستثمار أن يُبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقبل، المقرر عقده الخميس 9 يوليو 2026، في ظل استمرار تقييم تأثيرات البيئة الاقتصادية العالمية والمحلية.
وقالت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي بالشركة، إن التطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير، ما زالت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك مصر، رغم قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص جزء كبير من الصدمة حتى الآن.
مرونة الاقتصاد الخارجي: احتياطي نقدي وتدفقات تدعم الاستقرار
تشير البيانات إلى تحسن واضح في الوضع الخارجي للاقتصاد المصري، حيث:
- ارتفع صافي احتياطي النقد الأجنبي بنحو 1.68 مليار دولار منذ بداية العام ليصل إلى 53.1 مليار دولار في مايو
- ارتفعت الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 647 مليون دولار لتسجل 11.0 مليار دولار
- رغم تراجعها 2.90 مليار دولار بين فبراير وأبريل، إلا أنها عادت للتحسن في مايو
كما أظهرت بيانات القطاع المصرفي:
- تراجع صافي أصول القطاع المصرفي من النقد الأجنبي بمقدار 6.60 مليار دولار ليصل إلى 22.9 مليار دولار في أبريل
- مقارنة بذروة يناير البالغة 29.5 مليار دولار (الأعلى في 5 سنوات)
- تحسن شهري في أبريل بمقدار 1.57 مليار دولار بعد تراجع حاد خلال فبراير ومارس
هذه التطورات تعكس قدرة نسبية على امتصاص صدمات تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، خاصة في أدوات الدين.
تدفقات رأسمالية إيجابية وتحسن في مصادر العملة الأجنبية
سجل الاقتصاد المصري صافي تدفقات أجنبية داخلة بقيمة 4.55 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ1.34 مليار دولار فقط في نفس الفترة من 2025، وهو ما يعكس تحسن شهية المستثمرين الأجانب تجاه السوق المصري.
كما دعمت مصادر النقد الأجنبي هذا الاتجاه من خلال:
- ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 38% لتسجل 17 مليار دولار خلال أول 4 أشهر من 2026
- زيادة إيرادات قناة السويس بنسبة 27% لتصل إلى 1.56 مليار دولار خلال نفس الفترة
أداء الجنيه والتضخم: إشارات على استقرار نسبي
على مستوى سعر الصرف، ارتفعت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 11% ليصل إلى 49.1 جنيه للدولار، مقارنة بـ54.7 جنيه في بداية أبريل، ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في تدفقات النقد الأجنبي واستقرار السوق.
ورغم ذلك، تشير البيانات إلى أن الجنيه لا يزال منخفضًا بنحو 3% منذ بداية العام، ما يعكس استمرار الضغوط الهيكلية.
أما التضخم المحلي، فقد:
- تباطأ إلى 14.6% في مايو مقابل 14.9% في أبريل
- سجل أعلى مستوى في مارس عند 15.2% (أعلى مستوى في 14 شهرًا)
- ارتفع شهريًا بنسبة 1.6% في مايو مقابل 1.1% في أبريل
وتتوقع «اتش سي» استمرار التحرك العرضي للتضخم خلال الفترة المقبلة، مع تأثيرات متوازنة بين تراجع العملة سابقًا وضغوط أسعار الطاقة.
السياسة النقدية الحالية: فائدة حقيقية إيجابية تدعم التثبيت
تشير البيانات إلى أن العائد على آخر طرح لأذون الخزانة لأجل 12 شهرًا بلغ 24.7%، ما يوفر سعر فائدة حقيقيًا إيجابيًا بنحو 6.78% وفق تقديرات التضخم المستقبلية عند 14%، بعد احتساب ضريبة 15% للمستثمرين الأجانب.
كما يتضح أن البنك المركزي المصري خفّض الفائدة بمقدار 825 نقطة أساس منذ 2025، بعد دورة تشديد قوية بلغت 1900 نقطة أساس منذ 2022، ما يعكس تحولًا تدريجيًا نحو سياسة أكثر مرونة.
وفي فبراير 2026، تم أيضًا خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلى 16% بدلًا من 18%.
العوامل العالمية: الفيدرالي الأوروبي والأمريكي في مسارات متباينة
على الصعيد الدولي، لا تزال السياسات النقدية الكبرى تلعب دورًا مؤثرًا:
- الفيدرالي الأمريكي ثبت الفائدة عند 3.50–3.75% في يونيو، بعد خفض إجمالي 175 نقطة أساس منذ سبتمبر 2024
- البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة إلى 2.25% و2.40% و2.65% حسب الأدوات، بعد خفض صافي 175 نقطة أساس منذ 2024
هذا التباين يعكس استمرار عدم اليقين في دورة السياسة النقدية العالمية، ما ينعكس بدوره على قرارات الأسواق الناشئة ومنها مصر.
السيناريو المرجح: تثبيت مدعوم بتوازن دقيق
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو لجنة السياسة النقدية أمام مبررات قوية للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مدفوعة بعدة عوامل:
- استمرار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على الأسواق
- تحسن احتياطي النقد الأجنبي وتدفقات الدولار
- الحاجة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين
- السيطرة النسبية على التضخم
سياسة “الانتظار والترقب” هي الخيار الأقرب
تُظهر المؤشرات أن البنك المركزي المصري يتحرك داخل نطاق حساس بين دعم الاستقرار النقدي من جهة، وعدم الإضرار بجاذبية الاستثمار الأجنبي من جهة أخرى. ومع تحسن السيولة الدولارية وتباطؤ التضخم نسبيًا، يبدو أن خيار التثبيت في اجتماع يوليو 2026 هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، في إطار سياسة “الانتظار والترقب” حتى تتضح اتجاهات الاقتصاد العالمي بشكل أكبر خلال النصف الثاني من العام.



