اعلى الموقع
رئيس التحرير
طارق شلتوت
هوم اعلى اسوق عربية وعالمية 02
جانبي
جانبي

البنك المركزي يعيد رسم قواعد الاستثمار في سندات الشركات والتوريق.. ضوابط جديدة تشدد رقابة البنوك وتغير خريطة التمويل

تدخل سوق أدوات الدين في مصر مرحلة تنظيمية جديدة، مع اتجاه البنك المركزي المصري إلى تشديد الرقابة على استثمارات البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق، في خطوة تعكس حرصه على مواكبة النمو المتسارع لهذا السوق، والحد من مخاطر التركز الائتماني التي قد تنشأ مع توسع البنوك في توظيف السيولة عبر تلك الأدوات.

ولا تستهدف الضوابط الجديدة الحد من نشاط الاستثمار في السندات بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط معايير إدارة المخاطر، وربط قرارات الاستثمار بالجدارة الائتمانية، وحجم الانكشاف الحقيقي على العملاء، بما يعزز متانة القطاع المصرفي ويحافظ على استقرار النظام المالي في ظل التوسع المتزايد في التمويل غير التقليدي.

مهلة 6 أشهر لتوفيق الأوضاع

وبموجب كتاب دوري أصدره البنك المركزي المصري، أصبحت البنوك مطالبة بتوفيق أوضاع سياساتها الداخلية الخاصة بالاستثمار في سندات الشركات والتوريق خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، مع إعداد سياسات معتمدة من مجالس إداراتها وإرسالها إلى البنك المركزي.

ويأتي ذلك في إطار وضع إطار رقابي أكثر دقة يحكم قرارات الاستثمار في أدوات الدين، ويضمن توافقها مع مستويات المخاطر المقبولة داخل كل بنك.

حدود جديدة للانكشاف ومخاطر التركز

وتفرض الضوابط الجديدة على البنوك وضع سقف لإجمالي استثماراتها في سندات الشركات كنسبة من محافظها الائتمانية والاستثمارية، إلى جانب تحديد حدود قصوى للانكشاف على كل قطاع اقتصادي بصورة مستقلة.

كما ألزمت البنوك بوضع حد أقصى لحيازتها من سندات أي شركة مقارنة بإجمالي محفظة سندات الشركات لديها، مع تحديد حد مماثل لاستثماراتها في سندات التوريق الخاصة بأي شركة محيلة، بما يقلل من مخاطر تركز الاستثمارات لدى جهة إصدار واحدة.

السندات تدخل ضمن حسابات العميل الواحد

ومن أبرز التعديلات التي حملتها القواعد الجديدة، إنهاء الفصل بين التمويل المباشر والاستثمار في السندات عند احتساب الانكشاف الائتماني.

فأصبح يتعين على البنوك احتساب ما تمتلكه من سندات شركات أو سندات توريق تخص عميلًا معينًا ضمن إجمالي انكشافها الائتماني على هذا العميل والأطراف المرتبطة به، وهو ما يغلق ثغرة كانت تسمح بزيادة التعرض للمخاطر عبر أدوات استثمارية مختلفة.

تصنيف ائتماني إلزامي وأوزان مخاطر أعلى

وألزمت التعليمات الجديدة البنوك بعدم الاستثمار في أي سند يقل تصنيفه الائتماني عن -BBB، مع ضرورة وضع حدود قصوى لآجال الاستحقاق.

كما ربط البنك المركزي حجم رأس المال المطلوب الاحتفاظ به بدرجة المخاطر، إذ حدد أوزانًا مختلفة وفقًا للتصنيف الائتماني.

ففي السندات طويلة الأجل يبلغ وزن المخاطر 100% للسندات المصنفة AAA، ويرتفع إلى 150% للتصنيفات من -AA إلى +AA، ثم 200% للتصنيفات من -A إلى +A، وصولًا إلى 300% للتصنيفات من -BBB إلى +BBB.

أما بالنسبة للسندات قصيرة الأجل، فقد حدد المركزي وزن مخاطر بنسبة 150% للتصنيف 1-A / 1-P، و200% للتصنيف 2-A / 2-P، و300% للتصنيف 3-A / 3-P.

دراسة شاملة قبل أي استثمار

ولم تكتف التعليمات الجديدة بوضع حدود رقمية، بل وسعت أيضًا متطلبات الفحص والرقابة، حيث ألزمت البنوك بإعداد دراسة ائتمانية متكاملة قبل الاستثمار في أي إصدار، تتضمن تحليل التدفقات النقدية، وتقييم الجدارة الائتمانية للجهة المصدرة أو الشركة المحيلة، استنادًا إلى البيانات المالية وغير المالية.

كما أصبح لزامًا على البنوك متابعة أداء تلك الاستثمارات بصورة دورية، وإعداد تقارير ربع سنوية تُعرض على لجنة المخاطر، قبل رفع توصياتها إلى مجلس الإدارة.

استمرار التنسيق مع الرقابة المالية

وجدد البنك المركزي التأكيد على استمرار العمل بالضوابط الصادرة في سبتمبر 2025، والتي تلزم البنوك بالحصول على خطاب من الهيئة العامة للرقابة المالية قبل منح أو زيادة أو تجديد أي تمويل أو استثمار أو عملية توريق تخص الشركات الخاضعة لرقابة الهيئة.

ويهدف هذا الإجراء إلى التأكد من سلامة الموقف القانوني للشركات، والتزامها بالتشريعات المنظمة لنشاطها، وعدم وجود مخالفات أو عقوبات إدارية غير مسواة.

ضوابط إضافية لتمويل العقارات والاستهلاك

وشددت التعليمات أيضًا على ضرورة حصول البنوك على شهادة من مراقب الحسابات تؤكد التزام الجهات المصدرة أو المحيلة بالنسبة القصوى للأقساط إلى دخل العملاء، وفقًا للضوابط التي أصدرها البنك المركزي في ديسمبر 2019، كلما انطبق ذلك.

كما اشترط المركزي أن تكون عمليات التوريق التي ينفذها المطورون العقاريون أو شركات التمويل العقاري قائمة على محافظ تضم وحدات جرى تسليمها بالفعل، وليس وحدات لا تزال تحت الإنشاء.

حظر الجمع بين الضمان والاستثمار

وتضمنت الضوابط الجديدة أحد أبرز التغييرات في هيكل السوق، إذ أصبح يتعين على البنوك الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي قبل إصدار ضمانات لأي سندات شركات، على أن يستند ذلك إلى دراسة تفصيلية للتدفقات النقدية.

وفي الوقت نفسه، حظر البنك المركزي على البنوك الاستثمار في أي إصدار سبق أن قدمت له خطابات ضمان، بما يمنع الجمع بين دور الضامن والمستثمر في الإصدار نفسه.

تأثيرات متوقعة على سوق التمويل

وتأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع توجه أوسع من الجهات التنظيمية لإحكام الرقابة على التمويل الموجه إلى المؤسسات المالية غير المصرفية.

فقد سبق للبنك المركزي أن اشترط عدم منح أو تجديد تسهيلات ائتمانية لجهات الإقراض غير المصرفية إلا بعد تسجيلها لديه وربطها بمنظومة تبادل البيانات مع شركة آي سكور، في الوقت الذي تعمل فيه الهيئة العامة للرقابة المالية على تشديد قواعد الرفع المالي وجودة الأصول داخل القطاع المالي غير المصرفي.

قراءة اقتصادية

تعكس الضوابط الجديدة توجهًا واضحًا من البنك المركزي نحو بناء سوق أدوات دين أكثر انضباطًا، يقوم على تسعير المخاطر بصورة أدق، ويحد من تركز الانكشاف داخل الجهاز المصرفي، دون إغلاق الباب أمام تمويل الشركات.

لكن في المقابل، قد تعيد هذه القواعد تشكيل سوق التوريق خلال الفترة المقبلة، خاصة بالنسبة للمطورين العقاريين وشركات التمويل التي اعتادت الاعتماد على محافظ لوحدات لم تُسلم بعد، أو على هيكل تمويلي كانت البنوك تلعب فيه دور الضامن والمستثمر في الوقت نفسه.

ومن ثم، قد تواجه بعض الشركات تكلفة تمويل أعلى، أو تضطر إلى العودة بصورة أكبر إلى الاقتراض المصرفي التقليدي، وهو المسار الذي أصبح يخضع بدوره لرقابة أكثر تشددًا من البنك المركزي، بما يعكس توجهًا عامًا نحو تعزيز الاستقرار المالي وضبط مستويات المخاطر داخل القطاع المصرفي والمالي المصري.